small-logo
small-logo

المكتبات في الإسلام

المكتبات في الإسلام

الحمد لله حمدا طيبا كثيرا مبارك فيه الصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد:

تشهد المكتبات العامة في هذه الأزمنة تطورا نوعيا لتتناسب مع حاجات المجتمع ويأتي هذا التطور نتيجة لازدياد عدد الكتب والمنشورات الذي يشهده العالم اليوم وحاجة الناس إلى ذلك في ظل ازدياد عدد سكان المعمورة

ومع هذا التطور إلا إننا نجد إهمالا لأهمية مكتبات المساجد في هذا العصر التي كان لها دور بارز عبر تاريخ امتنا الإسلامية وفي عصور متفرقة وهي نوع من أنواع المكتبات العامة التي انتشرت في أوساط العالم الإسلامي.

واهتم المسلمون بالمكتبات كما اهتموا بغيرها من العلوم لأنها مصدر من مصادر الثقافة والمعرفة وهي وسيلة من وسائل نشر العلم الذي حث عليه الإسلام ورغب فيه ، فهي (الدعائم الأساسية التي تشاد عليها صروح العلم والثقافة والحضارة والمعرفة والتربية والينابيع الفياضة التي تغذي تقدم الأمم العلمي والحضاري بماء الحياة والبقاء ويقاس رقي كل أمة من الأمم بكثرة المكتبات وما تلقاها من عناية ورعاية أو ندرتها وإهمالها)(1)

ولهذا قام المسلمون بإنشاء المكتبات فجمعوا لها النفيس والرخيص لتكون مرجعا ومصدرا من مصادر الثقافة والعلم حتى أصبحت مجالا من مجالات تنافس الأمراء والخلفاء والملوك في إنشاء أضخم المكتبات لما لها من أهمية عظيمة في نشر العلم بين الناس ، حتى كانت تعقد فيها حلقات للمناظرة والسمر والمحاضرات

ولم تكن المكتبات معروفة عند العرب قبل الإسلام في حين كانت معروفة عند البيزنطيين والفرس والروم وكانوا يولونها اهتماما بالغا ولعل عدم اهتمام العرب قبل الإسلام بالمكتبات يعود إلى انعزالهم عن العالم الخارجي وانشغالهم بالحروب القبلية وتفرقهم شيعا وأحزابا حتى جاء الإسلام فأعطى للعلم مكانة عظيمة وشجع عليه مما جعل المسلمون يهتمون بالمكتبات ويوقفون عليها نفائس الكتب والأوقاف الكثيرة لضمان استمرارها حتى غدت أفضل مما كانت عليه مكتبات الأمم السابقة كما فعل نصير الدين الطوسي في مكتبته التي جمع فيها أكثر من أربعمائة ألف مجلد وأوقف عليها الأوقاف الكثيرة لضمان استمرارها(2)

(وهكذا نجد أن ظهور وتطور المكتبات كان نتيجة لانتشار العلم والمعرفة في العالم الإسلامي ونتيجة طبيعية للحياة الجديدة التي وجد المسلمون أنفسهم فيها بعد عصر الفتوح والاستقرار في الأراضي المحررة

وقد تم ذلك بتأثير عاملين أساسيين :

الأول : أجنبي عنهم وهو تفاعلهم مع الحضارات السابقة لحضارتهم والتي وجدوها في البلاد المحررة

والثاني: وهو العامل الأهم ، عامل ذاتي ، منبعث من عقيدتهم وإيمانهم وإسلامهم وهو يتمثل في موقف الإسلام من العلم والمعرفة الإنسانية من خلال حث الإسلام معتنقيه على العلم والتعلم

وهذا التوجه نحو النور والعلم والتعلم لا مثيل له في تاريخ البشرية قديما وحديث فقد حث القرآن الكريم المسلمين والمؤمنين على التعلم ومدح العلم والعلماء في مواضيع كثيرة

قال تعالى {شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}(3) فاستشهد سبحانه بأولي العلم على أجل مشهود عليه وهو التوحيد

وقال تعالى { قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ}(4) فنفى سبحانه التسوية بين أهل العلم وغيرهم كما نفى التسويه بين أصحاب الجنة وأصحاب النار

وأخبر سبحانه عن رفع درجات أهل العلم والإيمان خاصة

فقال تعالى {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}(5)

وقد استفاضت السنة النبوية كذلك بفضل العلم وشرفه والحث عليه

قال عليه الصلاة والسلام «من سلك طريقا يطلب فيه علما سلك الله به طريقا من طرق الجنة وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض والحيتان في جوف الماء وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب وإن العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما إنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر»(6)

وعنه عليه الصلاة والسلام قال «من يرد الله به خيرا يفقهه في دينه»

وفي الأثر عن سفيان الثوري (ما يراد الله عز وجل بشئ أفضل من طلب العلم)(7)

ومن الشعر ما أنشده ابو بكر القاسم بن مروان(8)

والعلم زين وتشريف لصاحبه *** أتت إلينـا بـذا الأنباء والكتـب

والعلم يرفع اقواما بلا حسب *** فكيف من كان ذا علم له حسـب

فاطلب بعلمك وجه الله محتسبا *** فما سوى العلم فهو اللهو واللعب

وفي القران الكريم والسنة النبوية والآثار والشعر ما يعجز القلم عن حصره في فضل العلم وأهله الذي كان له الأثر الكبير في نفوس المسلمين والذي أنتج ثمرات كثيرة كان من أهمها حب الكتب والوله بها وملك عليهم ألبابهم ومشاعرهم وأنساهم الأهل والولد

ووصف الجاحظ الكتاب بأجمل وصف فقال

(نعم الجليس والعدة ونعم العشرة والنزهة ونعم المشتغل والحرفة ونعم الانيس لساعة الوحده ونعم المعرفة ببلاد الغربة ونعم القرين والدخيل ونعم الوزير والنزيل ...إلى أن قال ولا أعلم جارا أبر ولا خليطا أنصف ولا رفيق أطوع ولا معلما اخضع ولا صاحبا اظهر كفاية ولا اقل جناية ....من الكتاب ....والكتاب هو الجليس الذي لا يطريك والصديق الذي لا يغريك والرفيق الذي لا يملك والمستميح الذي لا يشتريك والجار الذي لا يستطيبك والصاحب الذي لا يريد استخراج ما عندك بالملق ولا يعاملك بالمكر ولا يخدعك بالنفاق ولا يحتال لك بالكذب ... )(9)

وحبهم للكتاب وما له من أهمية عظيمة في نشر العلم بين الناس جعلهم يهتمون بجمعها وحفظها حتى وجدت كثير من المكتبات العامة والخاصة عبر القرون حتى قال الواقدي ( ما من احد إلا وكتبه أكثر من حفظه ) ، فقد أسس خالد بن يزيد بن معاوية مكتبة خاصة له وكذلك كانت للصاحب بن عباد مكتبة ضخمة تزيد حمولتها عن اربعمائة جمل من كتب العلم خاصة، وأسس ابن حمدان مكتبة دار العلم وقد جعل فيها خزانة كتب من جميع العلوم وقفا على كل طالب علم لا يمنع احد من دخولها ،وأنشأ الوزير مؤيد الدين العلقمي وزير المستعصم آخر الخلفاء العباسيين سنة 644 هـ دار كتب اشتملت على عشرة آلاف مجلد من نفائس الكتب في داره

ولا يستطيع أحد استقصاء أخبار أغلب من حوى مكتبة خاصة وما ذكرناه أشارة إلى أن الاهتمام بالمكتبات وجمع الكتب لم يكن أمرا مستحدثا بل اهتم بها المسلمون وكانت لهم فيها عناية خاصة

فالمكتبات في الإسلام نتاج لحضارة المسلمين وانعكاس لها فقد ساهمت في توسيع نطاق هذه الحضارة وتغذيتها وترقيتها ، ومن أهم المكتبات التي كان له دور كبير في حضارة الإسلام ، مكتبات المساجد والمكتبات الخاصة وهي أول المكتبات نشوءا في الإسلام وقد جرت العادة منذ أقدم عصور الإسلام أن يوقف الناس في المساجد عددا من نسخ القران الكريم وغيره من الكتب الدينية النافعة وقد ازدهرت بعض المساجد المهمة وأصبحت مركزا عقليا من أكبر مراكز التعليم والتدريس في العالم حيث كانت تعقد فيها الحلقات العلمية والمناظرات ، بالإضافة إلى خزانات الكتب ، كما اعتاد بعض العلماء أن يوصي بكتبه كوقف في مسجد بلدته أو حيه فتفرد تلك الكتب في خزانة خاصة في المسجد وتسمى باسمه كما فعل علي بن طاهر السلمي الذي كانت له حلقة في الجامع وقف عليها خزانة فيها كتبه(10)

وكذلك الملوك والخلفاء والأمراء والأغنياء والعلماء وحتى متوسطي الحال اعتادوا أن يوقفوا الكتب على المساجد ابتغاء الأجر في اليوم الآخر ، فقد أنزل الحاكم بأمر الله الخليفة الفاطمي الى جامع ابن طولون 814 مصحفا وترك في وصيته عددا من الكتب للجامع الأزهر(11)

و المكتبات كانت محط اهتمام الملوك والخلفاء ويبذلون في إنشاءها الغالي والنفيس لكنها غالبا كانت للاستعمال الشخصي ولهذا كان نفعها أقل بكثير من مكتبات المساجد التي كانت مفتوحة لعامة الناس إلا أنها تميزت عن غيرها من المكتبات ما حظيت به من عناية بالغة وتفنن في بنائها وترتيبه بالإضافة لحجم الكتب التي جمعت بها كمكتبة عضد الدولة البويهي في شيراز التي لم يبق كتاب صنف إلى وقته من أنواع العلوم كلها إلا حصله منه وكمكتبة مدينة آمد من أعمال الجزيرة العليا والتي وجد بها صلاح الدين الأيوبي سنة 579 هـ خزانة كتب تحوي ألف ألف وأربعين ألف كتاب(12)

والمطلع على تاريخ حضارتنا الإسلامية سيجد أن الاهتمام بالمكتبات لم يكن محصورا في عصر من العصور ولا بنوع معين من المكتبات بل كل ذلك كان منتشرا في أرجاء العالم الإسلامي  وهذا يدل دلالة واضحة على اهتمام القوم بالمعرفة ونشرها وتيسير سبل الاطلاع عليها ويدل على مقدار التراث الهائل الرائع الذي كان موجودا آنذاك ويدل على ولع بالمطالعة لا وجود له الآن بينن

ولم يكن اهتمام المسلمين بالمكتبات عبارة عن جمع الكتب فقط بل كان لهم فوق ذلك اهتمام بتنظيم المكتبة وحسن إدارتها ولم يغفلوا عن تصنيف الكتب ولا وجود الفهارس التي تساعد الباحث والمطلع على الوصول إلى مبتغاه بل كان كل ذلك موجد لديهم ، يذكر المقدسي المعروف بالبشارى في كتابه أحسن التقاسيم أن عضد الدولة بنى دارا في شيراز لم يرى في شرق ولا غرب مثله ما دخلها عامي إلا افتتن بها ولا عارف إلا استدل بها على نعمة الجنة وطيبها ، خرق فيها الأنهار ونصب عليها القباب وأحاط بالبساتين والأشجار وحفر فيها الحياض وجمع فيها المرافق والعدد ، وسمعت رئيس الفراشين يقول فيها ثلاثمائة وستون حجرة ودارا ...وخزانة الكتب حجرة على حده عليها وكيل وخازن ومشرف من عدول البلد ولم يبق كتاب صنف إلى وقته من أنواع العلوم كلها إلا وحصله فيها وهي أزج طويل في صفة كبيرة، فيه خزائن من كل وجه وقد ألصق على جميع حيطان الازج والخزائن بيوتا طولها قامة في عرض ثلاثة اذرع من الخشب المزوق عليها أبواب تنحدر من فوق ، والدفاتر منضدة على الرفوف، لكل نوع بيوت وفهرستات فيها أسامي الكتب ..وقد فرش ذلك الازج بفص العباداني وعقد على بابه رواق وجعل على باب الدار بوابون ولا يدخلها إلا وجيه )(13)

ويذكر المقريزي في وصف خزانة الكتب في القاهرة بقوله ( وتحتوي هذه الخزانة على عدة رفوف ... والرفوف مقطعة بحواجز وعلى كل حاجز باب مقفل بمفصلات وقفل وفيها من أصناف الكتب ما يزيد على مائتي ألف كتاب من المجلدات ويسير من المجردات فمنها الفقه على سائر المذاهب والنحو واللغة وكتب الحديث والتواريخ وسير الملوك والنجامة والروحانيات والكيمياء من كل صنف النسخ ومنها النواقص التي ما تمت كل ذلك بورقة مترجمة ملصقة على كل باب خزانة وما فيها من المصاحف الكريمة في مكان فوقه  .. إلى أن قال ..وكانت من عجائب الدنيا ويقال إنه لم يكن في جميع بلاد الإسلام دار كتب أعظم من التي كانت بالقاهرة في القصر، ومن عجائبها أنه كانت فيها ألف ومائتا نسخة من تاريخ الطبري إلى غير ذلك ويقال أنها كانت تشمل على ألف وستمائة ألف كتاب وكان فيها من الخطوط المنسوبة الشيء الكثير )(14)

ومن هذين النصين نستطيع أن نقول بأن المكتبات في الإسلام قد عرفت التصنيف والترتيب والتنظيم قبل أن يعرفه الغرب اليوم ، فقد كانت المكتبات منظمه تنظيما جيدا حتى بمقاييس هذا الوقت ، فالأثاث فيها موفور ومتناسب ، والكتب مصونة ومحفوظة من الغبار ، والمكتبة بعهدة مسئولين ، والكتب مصنفة حسب المواضيع ، وعلى كل خزانة فهرس خاص بها تسهيلا للمطالع والمراجع ، وعلى أبوابها بوابين ، وقد وفرت فيها أدوات الكتابة للباحثين .)(15)

وهكذا نجد أن حضارة الإسلام هي أجمل الحضارات التي عرفتها البشرية ، فقد كان للمسلمين إسهامات في شتى أنواع المجالات ، وهم السباقون في كل خير ينفع الناس ، وغيرهم عالة عليهم ، ولكن المسلمين في الأزمنة المتأخرة أصبحوا عالة على غيرهم ، غلبت عليهم التبعية والتقليد فوقعوا فيما أخبر عنه المصطفى صلى الله عليه وسلم «لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه» قالوا : يا رسول الله : اليهود والنصارى ؟ قال : «فمن» (16)

الوقف على المكتبات

دل الكتاب والسنة على مشروعية الوقف قال تعالى {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ}

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ}

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له».

وعنه رضي الله عنه "إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته: علماً نشره أوولدًا صالحاً تركه، أو مصحفاً ورثه، أو مسجداً بناه، أو بيتا لابن السبيل بناه أو نهراً أجراه أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه بعد موته" رواه ابن ماجه وحسنه الألباني

وعن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «سبع يجري للعبد أجرهن وهو في قبره بعد موته :من عَلّم علماً, أو أجرى نهراً , أو حفر بئراً , أو غرس نخلاً , أو بنى مسجداً , أو ورّث مصحفاً , أو ترك ولداً يستغفر له بعد موته» رواه البزار وحسنه الألباني

وأول وقف خيري عرف في الإسلام هو وقف سبع بساتين بالمدينة، كانت لرجل يهودي اسمه مخيريق، أوصى بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم حين عزم على القتال مع المسلمين في غزوة أحد، قال في وصيته: "إن أصبت ـ أي قتلت، فأموالي لمحمد ـ يضعها حيث أراه الله، فقتل، وحاز النبي صلى الله عليه وسلم تلك البساتين السبعة، فتصدق بها، أي حبسها.

ومضى الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ على ما سنه النبي صلى الله عليه وسلم، وعملوا بما حث عليه من الإكثار من الصدقة والإنفاق مما يحبون، وسجلوا أروع الأمثلة في التطوع بأحب أموالهم إليهم ، فهذا عثمان رضي الله عنه يشتري بئر رومه ويجعلها وقفا على المسلمين فقد روى عثمان رضي الله عنه قال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم، المدينة وليس بها ماء يستعذب غير بئر رومة، فقال: «من يشتري بئر رومة، فيجعل فيها دلوه مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة»، قال عثمان: "فاشتريتها من صلب مالي"،

وأما عمر رضي الله عنه فقد أصاب أرضاً بخيبر، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله: أصبت مالاً بخيبر لم أصب قط مالاً أنفس منه، فبم تأمرني؟ فقال: «إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها». فتصدق بها عمر على ألا تباع ولا توهب ولا تورث، وتكون (أي منافعها وثمارها) في الفقراء وذوي القربى والرقاب والضيف وابن السبيل، ولاجناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف ويطعم غير متمول.

والأمثلة على هدي الصحابة والتابعين ومن بعدهم كثيرة جدا، وسار المسلمون من بعدهم وتعددت سبل الأوقاف وتنوعت لتعم كل ما فيه نفع وخير للأمة الإسلامية فكان منها بناء المساجد ، وأوقاف تصرف على الجهاد في سبيل الله ، وأخرى على المدارس ، و والمستشفيات والتي كانت تعرف بالبيمارستان وغيرها

وكان من جملة ما أوقفه المسلمون ، أوقاف المكتبات فقد انتشرت في جميع بلاد المسلمين في مصر وبلاد الشام والأندلس وغيرها من البلاد ومن أمثلة ذلك ما أوقفه علي بن يحيى بن المنجم حيث أنشأ مكتبة في سبيل الله وخصص لها وقفا للانفاق على من يفد عليها،

وقد اشار الذهبي إلى أن المستنصر بالله حمل إلى الخزانه المستنصرية كتبا قيمه من سائر العلوم بلغت حمل أكثر من مائة وستين جملا وكان يزودها بنفسه إلى أن بلغ عدد كتبها ثمانين ألفا من المجلدات

ويشير ابن حجر إلى أن السودوني قد اشترى كتب الفقيه وابن جماعة في ايام الظاهر برقوق واوقفها على مدرسته خارج باب زويلة وكانت كثيرة جد

وأوقف المحدث الفقيه علي بن الحسين المصري مكتبته على طلبة العلم وكانت تحوي كتبا نادره ، كما أشار إلى ذلك ابن حجر في الدرر

كما أوقف ثابت بن منصور الكيلي أحد شيوخ ابن الجوزي كتبه كما أوقف ابن الطويل كتبه في الجامع الأموي بدمشق

ووجد في المسلمين من أوقف كتابا بعينه ، ومنهم من أوقف أدوات الكتابة والحبر وغيرها كما نقل ياقوت الحموي في معجم الادباء عن أحمد بن عبدالملك النيسابوري أنه كان يتولى أوقاف المحدثين من الحبر والكاغد وغيرها ويقوم بتفريقها على طلبة الحديث

وفي الختام

من خلال هذين المبحثين السابقين يتبين لنا بأن الأمة الإسلامية أكثر تميزا واهتماما من الأمم السابقة بالكتاب والمكتبات ، والوقف على المكتبات من أهم مميزات الحضارة الإسلامية ومن أهم دعائمها وقد أعطت صورة واضحة على صدق اهتمام المسلمين بالكتاب والعلم والمعرفة


(1) - (المكتبات في الإسلام ص 7)
2) - ( الحوادث الجامعة ص 350 )
(3) - (18) سورة آل عمران
(4) - سورة الزمر(9)
(5) - سورة المجادلة(11)
(6) - أخرجه أبو داود وصححه الالباني
(7) - جامع بيان العلم وفضله 1/243
(8) - جامع بيان العلم وفضله1/245
(9) - الحيوان 38-50
(10) - ( معجم الادباء 13/258 )
(11) - (الخطط للمقريزي 3/211-230
(12) - (الروضتين في أخبار الدولتين 2/39 )
(13) - أحسن التقاسيم (449-451 )
(14) - الخطط للمقريزي 1/409
(15) - المكتبات في الاسلام( بتصرف)
(16) - متفق عليه

ارسال الى صديقك

مقالات اخرى

Articles

القاضي : أحمد بن عبدالعزيز الصقية 09/12/2017

مكتبة ابن القيم معلم ثقافي في الرياض

Articles

الدكتور عبدالعزيز بن محمد السدحان 09/12/2017

مكتبة الإمام ابن القيم

Articles

علي الحضان : جريدة الرياض 29/10/2017

مكتبة الإمام ابن القيم بالسويدي مرجع علمي للباحث وإبراز لتراث الأمة العلمي

Articles

مكتبة ابن القيم 09/12/2017

المكتبات في الإسلام